: لازلتُ أعجَب كيف تكتُبين عنّي دائِمًا ، دُون أن يغتَالك المللّ !
أتعلَم ذلك الشعُور المُفاجئ الذي ينتَشر من أعلى رأسك حتَّى أسفل قدميك ، بسرعَة لاتكاد تدركها ، عندَما تأخذك ذاكرتك إلى موقفٍ عابر ، أو عادّة يوميّة نمارسَها معًا ، عن سبب ضحكتك يُومًا ! ، أو حتّى أغنية لا تعرفها ولكنّك أهديتني إياها مع وردَة تقُول بأنَّها تُشبهني ، عن صباحٍ لايزال عالق في رأسي ، عن غَضبك بسبب حماقة تعمّدتُ إرتكابها لأغيظك ، عن كلمَاتك السيئة والجميله معًا ، رسائلنا القصيرة عندَما ننمتلئ بالبشر حولنا ونشعر بقيودهم ولكننّا نجاهدُهم ونظلّ معًا ، عن أحلامي الورديّة ، التافهه كما تراها ولكنّك تشاركني إياها ، عن مذاق القهوة معك ، لقاءاتنا التي لاتكُون إلا بمحضِ الصدفة ، عن طفولتي ومراهقتك ، عنكَ أنتَ بأسوأ حالاتك ، عن سجائرك وعاداتك التي تغضبني ، عن الحديث عنك .. ذلك الذي لن ينتهيْ أبدًا !
_ : لأنني في كلّ مرة أراك مُختلفًا .!
هذا القلم بات صغيرًا على ألمي ، ويقظة أحزاني التي لاتنطفئ ومضة عينيها ، هذا القلم لم يعد يتسع لجسد السواد الذي يكتنف أنفاسي ، لم يعد قادرًا على تحمّل الغياب الذي يتآكل داخل قلبي حتّى تكوّم رمادًا داخل ورقه ، تلك التي لاتتسّع لكلمات بكائي العشوائية ، بل ظلت كعجوزٌ نالها من الكهولة مانال الأيام من الزوال ، حتّى شاب رأسها خوفًا من يومٍ لاتخاف فيه أبدًا ، وأنا ورقة ، تغنيّ غيابك ياهذا ، تغنيّ أيامها الورديّة .. ترقصُ خفيّة على جرحٍ لم يعُد ينزف ولكن ألمه لاينقطع ، تخبّئ صورتك داخل عينيها لتلتقي بك خلسة في حلمٌ عاثر ، أنا يائسة كيئس هذه الحياة منّا ، الحياة التي ضاقت بجور رحيلنا ذرعًا ، الحياة التي باتت سوداء تمامًا ، بدونك !
هذا المكان يكشِفُ عورة أحزاني ، ويجعلها عرضَة للإستهزَاء ، وربمَا للشفقه .. هذا المكَان يجعَل الآمي تتناثر على أرضِه .. ليستعصِي عليّ جمعها ، بينمَا المتسكّعون يفضّلون تناسي عجلة أيّامهم والتحديق بيأسِي ، يأسي الذي بدأ ينهشَ أطراف الفرَح ، تلك التي لم تمسّها يد بعدك ، وليس في مقدُور أحدهم أن يقترِب من ظلامها المُوحش .. أنّهم فقط يفضّلون إستراق النظَر إليّ .. وإلى سقوطِي الممتدّ على مدّى الأيام المُتبقيه لي في هذه الحيَاة ..
كُنا نضحك كثيرًا ، نبكي على أوجاع العابرين صَدقة ، نتقاسم مسؤولية السَهر .. من سُيسقط ذلك النُوم أرضًا ويغط في يقظَة عميقة ؟ ، كُنت دائِمًا أخلد للأحلام في مُنتصف الطريق ، تلك اللذة تنتصر عليّ في كل ليلة ، وتبقَى أنت وحيدًا كما هُو حالي الآن ! .. لا أنت لم تنم ، ولم تنعَس عن محاكاة الآمي يُومًا ، ليس الأمر كذلك أبدًا .. إنتهت رحلتك ، في عزّ خوفك ، وبنصف أنشودة الأمل ، رغمًا عنك وعني ، إنقطعت أحاديثنا ، لن تمتزج كتاباتنا برسَالة يعقبها ردُّ سريع بدءًا من هذه الليلة ، لن أبكي وألعن الرجال جميعُهم .. وأتدارك بـ - ماعداك أنت - ، ولن تقُول أنني صغيره ولم أرى شيئًا بعد ، لن يحدُث أيًا من هذا أبدًا ، وليس لديّ أدنى حق بأن أسألك إلى أين ؟ ، أنت أيضًا لاتعلم إلى أين وجهتك ، حُفرَة .. وطريق طويل سنرحل له يُومًا ، من اليُوم سأحادثُك وأنا أعلم سلفًا أنك لن تُجيب ، سأوبّخ الرجال وأنا أعلم أنك لم تعد من ضمنهم ، سأختُم أسمك بـ ” رحمه الله ” .. وسأكبر . وأصبح مها التي تأمل بي .. فقط ترقّب هذا ، فـ فقدك والله .. والله ليس ضربَة مُوجعه بقدر ماتكون دافعًا لأن أحقق أحلامنا أنا وأنت ، لن تكُون فقدًا لأنني سأتحسس مكانك بجانبي دائِمًا ، وسأتقاسم معك ألمي .. ونجاحي .. وضجري .. وحتى دعائي .. - رحمك الله - !

برحيْلك ، أودَعت كلّ الأشياء الذي أحببناها سويًا في غرفَة أو سمّها ماشئت إلا أنها تتضمّن خالص كُرهي وعميقه ، بكسرِك لي دُون مُبالاة أصبَحت رائحة المطر تُصيبني بالغثيان ، والصَباح المُشمس وقتٌ مأخوذ من رَحم جهنّم ، وذاك اللوُن الأسود بات يخطُ كلّ شيء يُكتب لشتيمتك أو رُبما بكائك خفيَة ، بكذبك الذي لاينتَهي بدَأت تتهاوى تلك الأغاني التي كنّا ننشدها بلا إنقطاع ، وتتخللّ أحاديثَنا المُسمومه ، بوجَهتك للنسيَان كانت خصلات شعريْ تلفظُ أخر أنفاس حياتها لتخرّ على أرضيَة غرفتي بلا حياة ، وحتّى الأشياء التي كانت سببًا للشجار بيننا نبذتها حواسّي ، المشرُوبات الغازية ، السهر ، إهمالي لكلّ شيء سواك .. كل ذلك إنعكس ليُصبح نقيضَه .. واقعًا الان .. فعُلب الغازيَات حلّت مكانها أكواب قهوة لاأنفكّ عن إدماني لها ، والنُوم أصبَح عالمًا أهرُب إليه منهم ، من أسمك الذي أواجهه مرارًا في دعايات التلفاز الرديئة ، أو حتى عندما يعبر في تعبير سيء جدًا عن فتنتهم بشيء ما .. يااه يآلجماله حقًا ! ، أتصدقُ بأنهم لازالوا يستخدمون تلك المفردات !! ، صحيح لسَاني بات يستعيذ من الكلمات التي أحببتُ أن أنطقها دائِمًا ، حتى نسيَ متى قالها لآخر مرّة ! ، عمُومًا قد يسعدك هذا ولكنني إنتهيت من أول سنة جامعيَة بإمتياز ! ، من كان ليُصدّق هذا !؟ ، آه لو ترى فرَحة أمي حين عَلِمت بأنني تخطّيت أول عقبة في أن أكون سببًا يُومًا ما في شفاء أحدهم .. جميل ذلك الشعُور ، سأسعى لشفاء العشرَات بالرغُم من أني عاجزة تمام العجز في مدَاواة الغباء القابع في رأسي ، وتخليصي من كُرهي لكلّ شيء جميل تعلّق بذكريَاتك ،، حتى كلمة جميل بحد ذاتها أصبَحت تصيبني بإعياء شديد .. تمكّن رحيلك مني .. ليجعَلني وحيدة ضدّك .. وهذا العالم أجمَع !

إبتسامة دمع ، ضحكَة مكسورة ..
كنتُ أضحك كثيرًا عندما أرى مثل هذه الألقاب .. كيف لنا أن نكون بهذه الإزدواجية أو لنقل حالة إنفصام تختلط في لحظة واحدة ، كيف لنا أن نجمع ذلك الإنكسار بإبتسَامه ؟ .. وأزمجر ضااحكة يالهذاا التناقض !
حقيقةً .. المرء عدو مايجهل ، وعدو مالايشعر به ، أنا الآن أقرّ بإعتذاري لهؤلاء الذين إستنقصت كثيرًا من أحاسيسهم بغير حقّ ، نحنُ فعلاً حالة إزدواجيه مابيننا وبين ذواتنا ، كم مرّة إمتنعنا عن شيء نريده بشدّه وأكتفينا بـ لا أريد ! ، وكمّ مرّة ضحكَنا في وجوه العابرين وإنحنت ذات الشفاه جرّاء غزير مطرٍ مالح في ذات الليلة ! ، لا عليكم يبدو أنني في ضخَم هذا الإكتشاف - القديم - وأخذتني الأفكار لتفسير أشياء كثيره مررتُ بها .. ولمَ أزعج نفسي بأشياء حصَلت وأنتهت ؟ .. لمَ لا أكتفي بإلقاء التحيّة على هذه الذكريات من بعيد ؟ ، ببرود كالذي إعتراني حين رأيتُك اليوم بعد شهور من غيابنا المُتعمّد ! ، للأمانة إستغرَبت ذلك الثلج الذي كان يتوسّط صدري ، إستغربت جمود يدّي دون أن ترتجف كعادتها أمامك ، وألَم معدتي الذي كان يُضحكك عندَما أخبرك عنه وألومك لأنك من تسببّ به ، كنتَ شخص عادي ..
شخص عادي ، كأي أحد آخر . .. ولا أعلم لمَ أفسّرها حتّى ! .. ربما أعيش حالة من الإستنكار الذي بدأ كهشيَم حتّى أتلف كل تفكيريْ إلا به ! ، وأبتسِم .. بالرغم من ألمِك ، وفقديْ ، وإزدواجيتي .. وحتّى إستنكاري ..!

صورَة ممزقة ، طاولة إستوطنَها الغبار حتّى أخفى ملامح خشَبها العتيقَ وطَرف أغنية .. مات على إثرِ رحيلي طرَفها الذيَ علق في آخر لحنٍ لم إستمِع له .
جميع ماقد مضَى بدأ يتكدّس في رأسي ، وكَأنما أغلقتُ عيني لعقودٍ طويلة وفتحتُها على حين غرّة ، فانهال كالنُور بلا أيّ سابق إنذار ، وردَة ! . كحال كل الأشياء هنا طالها الممَات ، خلتُ أنها ستكُون رمزًا على دَوام ذاكرتي ، متنَاسيه أنها قد تسبقني إلى أجلٍ .. أعدّه الله ليْ . أنتَ ، ومن أين أبتدئ هذه المرّة ، من خسارَتك المزعُومة لكلّ شيء تمتَلكه جرَّاء رحيليْ ، مهلاً ! .. هل أنا رحلت حقًا ؟ . أم أنّ الأشياء بدأت تنسحب من عيني خلسَة حتّى إختلفت كل الأشياء ، حتّى ظننتُ أنني لم أطأ هذه الأرض من قبل ، هل كنتُ على قيدِ الحيَاة ؟ . هل هذه ملابسيْ ؟ ، وصوريْ ، هل هذا الكتَاب يتماشَى مع ذائقتي المهترئة ؟ رقيم ! . هل كنتُ تعيسَة لهذا الحدّ ؟ ، آآآه صحيح : أنت مجددًا ، لم تظهر في إحدى الزوايا كالعادَه ، بل تسللتّ من قنينة ” ألور ” ذلك العطر الذي رافَق حياتيْ ، باهت .. أكنتُ أجعل لحياتي هذا النمط الباهت ؟ .. أكانت كل الأشياء أنت ؟ ..
أورَاق كثيَرة لاتحمِل سوى إسمك ، وخطوط طوليّة تقطَعها أخرَى ، لاعذر فقد كنتُ داخل أسوَار تمتّد إلى حيثُ لا أعلم ، فكيف لي ألا أرسمَها ، كنوعٍ من وصفِ الذات هه ! ، إسمك الذي تكرهه بقدر ماأحببته يومًا ، وبقدر ماأحببتُ تلك الصور التي إمتلئ بها جهاز هاتفي ، رغم أن إحداها لاتنتمي لك .
كعادَتي أتألم ، ليسَ لفقدك فقد كُنت أفقدُك مُذ أن إلتقيتك ، وليسَ لوحدَتي لأنني لم أعتد تلك العلاقات المتشعّبه ، وإنما لهذه الحيَاة التي إختصرت بِها طريقي إلى العذَاب ، لذلك الشريط الذي قصصتُه معلِنَة تخطيّ ذاتي إلى الفرَاغ ، تاركَة وراءي الآف الأبواب المؤصَدة لمجرّد أنني لم أرغَب بخوضِ طريقٍ جديد ، يبدُو لي أنني لستُ على إستعداد للعيش مطلقًا ، ولا للكتابة التيْ بدأت تحذو مسلك الرحيْل بخطٍ واحد ، ويبدُو أنني سأبحَثُ عن أخرى ، وهذه المرّة سأتيقّن بأنها لاتشبهني مطلقًا ، كيّ لاتُعجَب بها .. فتصبِح هي الأخرى بنفسِ غبائي المُطلق : وتحبّك !

أ :
يديّ تتجمّد ، خبئها داخل دفءِ كفيّك أو أنفُث فيها من أعمَق رئتيك راحَة تُشبِهك ، تجعَلني أشعُر بأنني أقمتُ داخل وجهُك وتسكّعتُ مطولاً بين مساماتِه ، تلك التي تنطِقُ بحياتي المُخبَّأة داخلها ، أدفِئ بكَ كلَّ ماضٍ لم يتضمََّنك ، وأشعِل نار مُستقبَل لا أظنُّه سيحمِلَك ، دعني أتدفَّأ بكَ مادُمت حاضرًا ، بكَ تعلّمت كيْفَ أوقِف الأصوات من حوليْ وأعيشَك بلحظَه ، فغدًا سيأتي بأقداره المُعقَّده ، والخيبَة تطلَّ من شبَابيْك الأيَّام ..
ي :
يديَّ تختَنقْ ، تصرُخ موتًا .. أحمِلها بعضًا من وجهِك .. فجحيمُ خسَارتك بدأ ينهَش الدفِء الذيّ خلَّفتُه وراءك ، كلّ شيء بدأ ينفَذ ، ذكرياتُك من حُزنَها بدأت تتآكل بعضِها البعضَ وتشتعل ، سرُّك المحفُور على قلبيْ طغى نزيفه على عينيَّ حتى نالها من الإحمرار .. مانال الوَرد وكسَاه ، أنا أحتَضِر وأبتَسم .. أهذيْ .. أتخيَّلك حتى تعبُرك يديَّ المتلهفه لتحسسُك .. وتكُون سرابْ ، كم من السُوء فعلت كيّ أجازى بغيَابك !


ليس هناك شيء أغرب من أن تشرع بكتابة شيء تجهله ، لاتعرف ماهُو ولا تعرف حتّى إن مرّ على هويّتك المترامية على أرض الحياة ، ليس كل شيء نقرأه ممكن أن يصبح واقعًا ، كما أن أكثر الأشياء التي لانقرأها نحنُ نعيشَها ولانشعُر بذلك ، إذاً أكثر الأشياء التيْ نعيشَها لانشعُر بها ، نحنُ لانشعُر بدورة جهازنا الهضمي على سبيل المثال ولكننا نعيشُه ، تلك الأشياء التي تعمل عَمل الجندي المجهول تجعَلنا دائِمًا أكثَر حيَاة ، هي لاتهوي بنا في الحضيض كتلك الأشياء التي نعلمها ، ونتطقّس أحوالها إن سرّت لنا سار يُومنا بشكل ممتاز ، والعكس صحيح .
لذا سأعتبرها هنا وقفَة شكر ، متضمّنه كل معاني الإمتنان لكلّ من جَعل يومي جميْل ، سواء كان مشمسًا أو ملبدًا بالغيوم ، شكرًا لمَن أحتل جزء لا أعلمه من حياتي ورسَم إبتسَامة على جبيني ، توازي بمعناها تلك الملصَقات التي تضعَها إستاذتي عندَما أنال الدرجة الكاملة في إختبار نحيْل ، حقيقًة : كل الأشياء التي لانعلَمها تجعلنا نشعُر بشعور جيّد ، كهذا النصّ الذي ماأن شَرعت به إنتهيتُ بالشكر ، والكثير من أوكسجين الراحة يملأ رئتي .